ابن أبي الحديد
151
شرح نهج البلاغة
واعلموا أن الأمان لمن خاف الله ، وباع قليلا بكثير وفانيا ( 1 ) بباق ، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين ، وسيسلبها ( 2 ) بعدكم الباقون ، حتى ترد إلى خير الوارثين ! ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله عز وجل ، قد قضى نحبه ، وبلغ أجله ، تغيبونه في صدع من الأرض ثم تدعونه غير ممهد ولا موسد ، قد صرم الأسباب ( 3 ) وفارق الأحباب ، وواجه الحساب ، وصار في التراب ، غنيا عما ترك فقيرا إلى ما قدم ( 4 ) . [ من خطب ابن نباتة ] ومن خطب ابن نباتة الجيدة في ذكر الموت : أيها الناس ، ما أسلس قياد من كان الموت جريره ! وأبعد سداد من كان هواه أميره ! وأسرع فطام من كانت الدنيا ظئره ! وأمنع جناب من أضحت التقوى ظهيره ! فاتقوا الله عباد الله حق تقواه ، وراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه ، وتأهبوا لوثبات المنون ، فإنها كامنة في الحركات والسكون ، بينما ترى المرء مسرورا بشبابه ، مغرورا بإعجابه ، مغمورا بسعة اكتسابه ، مستورا عما خلق له لما يغرى به ، إذ أسعرت فيه الأسقام شهابها ، وكدرت له الأيام شرابها وحومت عليه المنية عقابها ، وأعلقت فيه ظفرها ونابها ، فسرت فيه أوجاعه ، وتنكرت عليه طباعه ، وأظل رحيله ووداعه ، وقل عنه منعه ودفاعه ، فأصبح ذا بصر حائر ، وقلب طائر ، ونفس غابر ، في قطب هلاك دائر ، قد أيقن بمفارقة أهله ووطنه ، وأذعن بانتزاع روحه عن بدنه ، حتى إذا تحقق منه اليأس ، وحل به المحذور والبأس ، أومأ إلى خاص ( 5 ) عواده ، موصيا لهم بأصاغر أولاده ، جزعا عليهم من ظفر أعدائه وحساده
--> ( 1 ) البيان : ( وفائتا ) . ( 2 ) العقد والبيان : ( وسيخلفها ) . ( 3 ) البيان والعقد : ( قد خلع الأسباب ) . ( 4 ) البيان والتبيين 2 : 120 ، العقد لابن عبد ربه 4 : 95 . ( 5 ) ب : ( حاضر ) ، وما أثبته عن ا ، ج .